النويري
400
نهاية الأرب في فنون الأدب
السّلمى في سبعين من قيس ، فأتوا الدار ، فخرج ابن عقيل إليهم بسيفه حتّى أخرجهم من الدار ، ثم عادوا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارا ، وضربه بكر بن حمران الأحمرىّ فقطع شفته العليا وسقط سنّتاه ، وضربه مسلم على رأسه وثنّى بأخرى على حبل العاتق فكادت تطلع على جوفه ، فلما رأوا ذلك أشرفوا على سطح البيت ، وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ويلقونها عليه ، فلما رأى ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في السكة ، فقال له محمد بن الأشعث . لك الأمان فلا تقتل نفسك ؛ فأقبل يقاتلهم ويقول : أقسمت لا أقتل إلَّا حرّا وإن رأيت الموت شيئا نكرا ويخلط البارد سخنا مرا رد شعاع النفس مستقرّا [ 1 ] كلّ امرئ يوما ملاق شرّا أخاف أن أكذب أو أغرّا فقال له محمد بن الأشعث : إنك لا تكذب ولا تخدع ، القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك ، وكان قد أثخن بالحجارة ، وعجز عن القتال ، وأسند ظهره إلى حائط تلك الدار ، فأمّنه ابن الأشعث والناس غير عمرو بن عبيد اللَّه السّلمى فإنه قال : لا ناقتي فيها ولا جملي [ 2 ] . وأتى ببغلة فحمل عليها ، وانتزعوا سيفه ، فكأنه أيس من نفسه فدمعت عيناه وقال : هذا أول الغدر . قال محمد : أرجو ألا يكون عليك بأس . قال : وما هو إلا الرجاء ! أين أمانكم ! ثم بكى ، فقال له عمرو بن عبيد اللَّه :
--> [ 1 ] كذا جاء في الأصل ، وجاء عند الطبري وابن الأثير : « رد شعاع الشمس فاستقرا » . [ 2 ] كذا جاء في النسخة ( ك ) ، وجاء في النسخة ( ن ) : « لا ناقة له في هذا ولا جمل » .